الفكر القومي العربي واللغة العربية آفاق العلاقة والنتائج

الفكر القومي العربي واللغة العربية: آفاق العلاقة والنتائج

انبثق الفكر القومي في أوروبا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر نتيجة عدة ظروف اقتصادية ودينية واجتماعية، منها:

  • تصدع التحالف المقدس بين النظم الامبراطورية والكنيسة المسيحية، والثورة على النظم الاقطاعية الملكية وتحطيمها وإقامة جمهوريات شعبية مكانها بدءاً من الثورة الفرنسية عام 1789م.
  • تصدعت الكنيسة المسيحية، ودعوة لوثر إلى إقامة أصول جديدة في التعامل مع النص المقدّس، وإلى إعادة النظر في وضعية رجال الدين في الديانة المسيحية وإلى إعادة النظر في الرهبنة ذاتها، وكانت نتيجة ثورة لوثر على الكنيسة انبثاق صورة جديدة من الديانة المسيحية هي: البروتستنتية في القرن السادس عشر.
  • تفكك النظام الإقطاعي الذي كان مسيطراً أثناء العصور الوسطى وانبثاق نظام اقتصادي رأسمالي جديد يقوم على طبقة برجوازية جديدة.
  • التمرد على الدين، واعتباره معادياً للعقل والعلم، وربطه بالخرافة والوهم، واهتزاز الثقة بكل ما هو ديني، وبداية الثقة بكل ما هو عقلي وعلمي.
  • بداية نهضة علمية جديدة تقوم على استخدام الآلة فكان عصر البخار، ثم الكهرباء، إلخ…

        من خلال كل هذه الظروف نشأت القومية التي مثّلت ديناً جديداً بالنسبة للشعوب والأفراد، قامت عليها روابط الأفراد، واتجهت إليها أفكارهم، ودارت حولها عواطفهم، وقد أثمرت هذه القومية توحيد شعوب كانت متفرقة.

وأبرز حركات التوحيد التي دفع إليها الإيمان بالقومية هما: حركتا توحيد الشعب الألماني والإيطالي في القرن التاسع عشر. 

        تأثراً بهذا الفكر القومي، ونسجاً على منواله نشأ الفكر القومي في البلاد العربية والإسلامية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ونحن من أجل تبيين دور اللغة العربية في نشوء هذا الفكر القومي وإنجاحه، ومدى صوابية ربطها بالأمة العربية.

سندرس الأمور التالية:

        1- وضع الأمة عند مجيء الفكر القومي.

        2- عناصر تشكيل القومية.

        3- أنواع القومية.

        4- هل حقق الفكر القومي العربي أهدافه.

وضع الأمة عند مجيء الفكر القومي

        إنه من نافلة القول التذكير بأن الأمة التي كانت تسكن منطقة العالم الإسلامي ومنها العالم العربي عند وفود الفكر القومي هي الأمة الإسلامية، وكان الإسلام قد صاغ هذه الأمة عبر تعليماته خلال ما يزيد على ألف وثلاثمائة سنة، وكانت هذه الأمة الإسلامية راسخة في كيانها، تلتقي حول كتاب واحد هو القرآن الكريم، وتتبع رسولاً واحداً هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد جعل هذان المصدران الأمة تصطبغ بعادات واحدة، وتقاليد واحدة، وثقافة واحدة.

        كما أنه من نافلة القول التذكير بأن الجنس العربي والشعب العربي كان يعمل مع أجناس وشعوب أخرى ضمن بوتقة الأمة الإسلامية وتحت قيادة واحدة غير عربية هي القيادة التركية التي قادت الخلافة الإسلامية مدة أربعة قرون متتالية عند مجيء الفكر القومي إلى المنطقة، وكانت تجربة تعايش الأجناس المتعددة من عربية وغيرها ليست جديدة بل قديمة تمتد إلى بداية مجيء الإسلام وإنشاء الدولة الإسلامية، وكانت تجربة فريدة لم تعرف الإنسانية مثيلة لها، وكانت حلم كثير من المفكرين والفلاسفة، ولكن الإسلام وحده هو الذي استطاع أن يحققها، والأمة الإسلامية هي الأمة التي استطاعت أن تجسدها، فأعطى كل شعب وعرق وجنس ضمن الأمة الإسلامية ما يحسنه لها، وأخذ منها ما ينقصه ويحتاجه، لذلك نجد أن هذه الشعوب والأعراق والأجناس المختلفة تعايشت مع بعضها بشكل نموذجي وفريد، وقدمت وأعطت بل وأبدعت ضمن بوتقة الأمة الإسلامية في مختلف المجالات: العسكرية والثقافية والاقتصادية والعمرانية إلخ…

        هذه هي أوضاع الأمة عند مجيء الفكر القومي، فما هي القومية؟ وما عناصر تشكيلها؟

عناصر تشكيل القومية

         ونحن من أجل أن نحدد عناصر تشكيل القومية، ونكوّن فهماً عنها سننقل الأقوال التي وردت عنها في مصدرين:

الأول: موسوعة العلوم السياسية.

والثاني: كتابات ساطع الحصري أبرز المؤلفين القوميين في مطلع القرن العشرين.

أولاً: موسوعة العلوم السياسية     

جاء تحت عنوان مادة القومية في الموسوعة السياسية ما يلي:

“ما الذي يميّز الأمة عن غيرها من أنواع الجماعات الأخرى؟

وهناك إجابتان: إحداهما موضوعية والأخرى ذاتية.

النظرة الموضوعية للقومية ترى أنها ظاهرة طبيعية تتعلق بمجموعة من البشر لهم لغة واحدة وثقافة واحدة وعادات وتقاليد واحدة وينحدرون من أصل واحد ويقطنون بقعة إقليمية محددة وتحدوهم آمال واحدة ومصالح مشتركة ويشعرون بالحاجة إلى أن تحكمهم سلطة واحدة ذات سيادة.

النظرة الذاتية ترى أن القومية ظاهرة سيكولوجية لا تتعلق بمقومات خارجة عنها بقدر تعلقها بوعي الأفراد بتلك المقومات والتي تجعلهم يشعرون بأن لهم شخصية متميزة ومنفصلة وتدفعهم إلى التعبير التنظيمي عن هذه الشخصية.

ولكن تظل المعايير الموضوعية هامة جداً عند معظم المفكرين القوميين، وإن كان مدى الأهمية المعطلة لمعيار معين بالمقارنة بالمعايير الأخرى تختلف من مفكر إلى آخر.

بعض المفكرين يرى أن المحك الأهم في تعريف الأمة هو الإقليم، فارتباط الأمة بإقليم محدد هو الذي يمنحها شخصيتها.

والبعض يرى أن الدولة هي المعيار الأهم. فوحدة الأمة وشخصيتها مستمدة من التنظيم السياسي ولذلك فإن الدولة عندهم سابقة على الأمة وتكون سبب وجودها والعكس غير صحيح.

ولقد ساد هذا الاتجاه بين المفكرين الفرنسيين وهذا على خلاف القوميين الألمان الذين ركزوا على عنصر اللغة والثقافة بوصفه أهم عناصر تحديد الأمة حيث آمنوا أن لكل أمة طابعها الخاص المميز وأن هذا الطابع مستمد من اللغة المشتركة.

وطالما أن اللغة هي أداة التعبير عن المشاعر والانفعالات والرموز والأساطير فإنها تضحى هي أداة العادات والتقاليد ويصبح الاشتراك في لغة واحدة هو اشتراك في ثقافة واحدة.

ولكن عنصر اللغة والثقافة هوجم بشدة من قبل المستشرق رينان في محاضرته الشهيرة “ما هي الأمة؟” والتي ألقاها عام 1882م، حيث أكد أن اللغة المشتركة مثلها مثل الأصل الواحد أو الدين أو المصالح كلها غير كافية بذاتها لتكوين أمة فهي عوامل مساعدة على أحسن تقدير للمعيار الأهم وهو وحدة التراث.

فالتاريخ المشترك – خاصة تاريخ المحن والمعاناة والبطولات – يبعث في أفراد الأمة مشاعر الفخر والاعتزاز بماهيّتهم وتضحى الرغبة في إبقاء هذا التراث حياً دائماً وفي بعثة من جديد في الحاضر من أهم عوامل التقريب بين الأفراد وإذكاء الرغبة داخلهم في الحياة معاً فتنشأ الأمة التي يكون لها الولاء الأسمى” (1).

ثانياً: كتابات ساطع الحصري

دوّن ساطع الحصري خلاصة لرأيه في عناصر القومية في نهاية كتابه: “ما هي القومية؟” فقال تحت عنوان: (كلمة ختامية في نتيجة الأبحاث):

        “إن الوقائع والأحداث التي وضحناها وشرحناها، والنظريات التي استعرضناها وناقشناها، في مختلف فصول هذا الكتاب، تؤدي بنا إلى تقرير الحقائق التالية:

        إن أسّ الأساس في تكوين الأمة وبناء القومية هو وحدة اللغة ووحدة التاريخ. لأن الوحدة في هذين الميدانين هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر والمنازع، وحدة الآلام والآمال، وحدة الثقافة. وبكل ذلك تجعل الناس يشعرون بأنهم أبناء أمة واحدة، متميزة عن الأمم الأخرى.

        ولكن لا الدين، ولا الدولة، ولا الحياة الاقتصادية تدخل بين مقومات الأمة الأساسية. كما أن الرقعة الجغرافية أيضاً لا يمكن أن تعتبر من المقومات الأساسية. وإذا أردنا أن نعيّن عمل كل من اللغة والتاريخ في تكوين الأمة قلنا:

        اللغة: تكوّن روح الأمة وحياتها. التاريخ: يكوّن ذاكرة الأمة وشعورها” (2).

        والآن لو أجرينا فحصاً على تلك التعريفات للقومية والتحديدات لعناصر تشكيل القومية والتي نقلناها من الموسوعة السياسية ومن كلام ساطع الحصري، فما الذي تملكه منها القومية العربية عند نشوء دعوتها؟ لنلق نظرة فاحصة عليها.

        يقول المفكرون القوميون – كما رأينا – أن هناك عناصر موضوعية وهناك عناصر ذاتية للقومية. أما العناصر الموضوعية للقومية فتقوم على اللغة الواحدة والثقافة الواحدة والعادات والتقاليد الواحدة، والجنس الواحد، والبقعة الإقليمية الواحدة، والآمال واحدة، والمصالح المشتركة، والشعور بالحاجة إلى السلطة الواحدة.

وأما العناصر الذاتية للقومية فهي وعي الأفراد وشعورهم بأن لهم شخصية متميزة ومنفصلة وتدفعهم إلى التعبير التنظيمي عن هذه الشخصية، ولكن المفكرين يستدركون فيؤكدون على أهمية المعايير الموضوعية، وإن كان يختلف تأكيدهم على عنصر دون عنصر حسب اتجاهات هؤلاء المفكرين القوميين.

        وأما المفكر القومي ساطع الحصري فقد ركز على عنصرين في تكوين القومية هما: وحدة اللغة ووحدة التاريخ واعتبر أن هذين العنصرين يؤديان إلى وحدة في المشاعر والمنازع والآمال والآلام والثقافة والتاريخ.

        والآن على ضوء تلك العناصر المطروحة: الذاتية والموضوعية، فما الذي كان يمتلكه واقع الفكر القومي منها؟

        ابتداءً لم يكن الفكر القومي يمتلك عند نشوئه في منتصف القرن التاسع عشر العناصر الذاتية لأن الأمة التي كانت قائمة آنذاك هي الأمة الإسلامية وكان وعي الأفراد المسلمين بها هو الوعي القائم، حيث كانوا يشعرون بتميزهم الإسلامي الخاص وبشخصيتهم الإسلامية.

        أما العناصر الموضوعية للقومية فما كان الفكر القومي العربي يملك عند نشوئه شيئاً خاصاً به منها، فالثقافة السائدة في المنطقة هي الثقافة الإسلامية والعادات والتقاليد كانت نابعة من تعاليم الإسلام في كل شؤون الحياة: الطعام والشراب والزواج والآمال كانت تدور حول الإسلام، وانتصاره ورسوخه، والآلام كانت تنبثق من ضعف المسلمين وهزائمهم، وحتى الجنس، فلم يعد الجنس العربي مختصاً بهذه المنطقة، بل تداخل الجنس العربي مع الأجناس الأخرى نتيجة الغزوات والحروب التي كانت تستدعي مجيء أجناس أخرى للمشاركة في القتال، ولو أخذنا منطقة بلاد الشام والعراق نموذجاً للفحص والتدقيق لأنها موطن الفكر القومي لوجدنا فيها خليطاً من الأجناس والشعوب المتداخلة:

العرب والأتراك والفرس والأكراد إلخ…

        إذن العناصر السابقة جميعها مأخوذة من الإسلام ومرتبطة بالإسلام وتدور حول الإسلام منذ أكثر من ألف سنة، وربما كان العنصر الوحيد الذي هو محل التباس عند القوميين هو عنصر اللغة العربية، فما هي وضعية اللغة العربية غداة نشوء الفكر القومي؟

        لقد أصبحت اللغة العربية منذ أكثر من ألف سنة لغة الأمة الإسلامية والحضارة الإسلامية ولم تعد لغة مرتبطة بجنس معين، وحتى نثبت ذلك لا بد من استعراض تاريخ اللغة العربية قبل نزول القرآن وبعده.

        كانت هناك عدة لهجات عربية في الجزيرة العربية قبل نزول القرآن الكريم، وكان يمكن أن تتطور كل لهجة لتكون لغة مستقلة وبالتالي كان يمكن أن تنشأ عدة لغات عربية في الجزيرة العربية نتيجة وجود اللهجات المختلفة للقبائل لكن القرآن الكريم عندما كتب بلسان قريش، جعل الديمومة والهيمنة لهذه اللهجة على غيرها من اللهجات مما أنشأ لغة عربية واحدة وقضى على إمكانية نشوء عدة لغات عربية، وقد أكد عثمان t هذا المعنى عندما قال للرجال الذين نسخوا عدة نسخ من المصحف الذي كان موجوداً عند حفصة بنت عمر زوج الرسول r وأرسلها إلى مختلف الأمصار، عندما قال لهم: “إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم” (3).

        ثم إن الرعاية التي رعاها المسلمون للعربية لغة القرآن الكريم كانت انطلاقا من ظروف دينية، فعندما وضع أبو الأسود الدؤلي قواعد النحو، وأتم ذلك سيبيويه في مصنفه “الكتاب”، وعندما نقّط حروف العربية وشكّلها كلٌّ من أبي الأسود الدؤلي ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم الليثي، وعندما وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي أصول معاجم اللغة، وعندما جمع العلماء مفردات اللغة ومعانيها في معاجم لغوية، إنما قاموا بكل تلك هاتيك الأعمال من أجل خدمة القرآن الكريم من أن يدخله التحريف واللحن، ومن أجل خدمة آيات القرآن الكريم أن تفهم على الوجه الصحيح.

        ومما يؤكد الدافع الديني وراء تلك الخدمات الجّلى التي قدمها أولئك الرجال النوابغ الذي ألممنا بذكر طرف بعض منهم وأغفلنا في الوقت نفسه الكثير، مما يؤكد الدافع الديني وراء جهودهم أن قسماً كبيراً منهم ليسوا عرباً وليس لسانهم العربية، إنما اهتموا بالعربية وأفرغوا جهودهم للمحافظة عليها، وضبط ألفاظها، انطلاقاً من دينهم وإسلامهم.

        الخلاصة: أن اللغة العربية كانت قبل نزول القرآن الكريم خاصة بالعرب، لكن بعد نزول القرآن الكريم أصبحت لغة الأمة الإسلامية، ولغة المجتمع الإسلامي، ولغة الثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية. 

أنواع القومية

        يقول أبو الأعلى المودودي إن هناك نوعين من القومية:

الأولى: قومية حضارية:

        وهي تعني أن شعباً ما يشترك في الثقافة والحضارة والتفكير والعادات والتقاليد والعواطف، أي أن خلفيته الحضارية واحدة.

الثانية: قومية سياسية:

        وهي تعني أن شعباً ما موحداً تحت قيادة سياسية واحدة، ويتمتع باقتصاد موحد وإدارة واحدة، ويشكل دولة واحدة (4).

        لو نظرنا إلى الفكر القومي العربي عند انبثاقه في القرن التاسع عشر لرأينا أن المطلوب منه تشكيل كلتا القوميتين: الحضارية والسياسية.

        الحضارية: لأن التراث الحضاري السائد في المنطقة العربية كان تراثاً إسلامياً مرتبطاً بالإسلام بشكل وثيق ومحكم وكامل. 

        والسياسية: لأن الاستعمار كان قد جزأ المنطقة العربية ووضع حدوداً فاصلة وقاسية بين أقطارها وأنشأ عصبيات إقليمية تعادي أي توحد.

هل حقق الفكر القومي أهدافه؟

        والآن نعود إلى سؤالنا الذي طرحناه من قبل وهو: هل استطاع الفكر القومي العربي أن يحقق أياً من أهدافه التي رسمها لذاته وهي تحقيق القومية الحضارية والسياسية؟

        لقد اتجه الفكر القومي العربي من أجل تحقيق القومية الحضارية إلى الحضارة الغربية ينقل منها أفكارها وقيمها وسياستها واقتصادها واجتماعها إلخ…

لذلك كانت معاداته لدين الأمة وتراثها وعاداتها وتقاليدها واضحة بل عنيفة (5)، والحقيقة إنه فشل في هذا فشلاً ذريعاً، فلم يستطع أن يغرّب الأمة لرسوخ الإسلام فيها، ولكنه استطاع أن يحطم جزءاً كبيراً من طاقات الأمة، وأن يعطل جزءاً آخر من حيويتها، وأن يضيع قسماً كبيراً من أبناء الأمة.

        ومشكلتنا مع الفكر القومي العربي أنه كلما فشل محتوى تغريبي في تفعيل الأمة غيّر هذا المحتوى ظانّاً أن الخلل في المحتوى وليس في أصل الفكر القومي، فعندما ثبت فشل المحتوى الديمقراطي الرأسمالي، وعانت الأمة ما عانت من الفوضى والاضطراب والهزال مع نهاية الحرب العالمية الثانية من النظام الديمقراطي، انتقل الفكر القومي العربي إلى تبني الاشتراكية والشيوعية كمحتوى فكري عقائدي من أجل تفعيل الأمة من وجهة نظره، لكن النتيجة أنه ساق قسماً من الأمة إلى ساحة التغريب، وقسماً آخر إلى ساحة الضياع، وانهزم في ساحة المواجهة مع إسرائيل عام 1967م مما أوقع الأمة في إشكالات جديدة لم تستطع حلّها إلى الآن.

        لقد اتجه الفكر القومي العربي من أجل تحقيق القومية السياسة أثناء الحرب العالمية الأولى إلى الثورة على الخلافة العثمانية. وكانت الثمرة تمزيق هذه الأمة من خلال تحالف قادة الفكر القومي العربي مع الحكومة الانكليزية التي وعدتهم إعطاءهم العراق وبلاد الشام كنواة للدولة العربية، لكنها نكثت بوعدها، وقسمت منطقة بلاد الشام إلى أربع دول هي: سورية ولبنان والأردن وفلسطين، ووضعت جميع دول بلاد الشام والعراق تحت الانتدابين: الانكليزي والفرنسي، ولكن النتيجة المفجعة مع مرور الزمن هي أن الفكر القومي العربي لم يستطع أن يحقق القومية السياسية التي يسعى إليها وهي وحدة البلاد العربية، وإقامة نظام سياسي واحد، ليس هذا فحسب، بل على العكس ترسخت التجزئة المصطنعة، وبرزت القطرية، وقامت الحواجز الإقليمية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ المنطقة.                                                                               

الخلاصة

فشل الفكر القومي العربي في تحقيق أية قومية من القوميتين: الحضارية والسياسية (6) اللتين استهدف إنشاءهما، وبقي غريباً ومحدود الأتباع (7)، والسبب في ذلك أنه أراد استنبات أمة عربية غير موجودة في أرض الواقع على حسب أمة موجودة راسخة الجذور هي الأمة الإسلامية، وأنه كان لا يملك أي مقوم من مقومات إنشاء هذه الأمة حسب أقوال منظّريه ومفكّريه إلا اللّغة العربية التي جهل أنها خرجت عن نطاق الجنس العربي لتصبح لغة الأمة الإسلامية والثقافة الإسلامية والحضارة الإسلامية، وكانت نتيجة هذا الفشل جراحات وعذابات عانتها الأمّة الإسلامية، وتمزقات وتشويهات أصابت جسم الأمة الإسلامية، وقصوراً وضعفاً في أداء الأمة الإسلامية، وهذا ما أراده أعداء الأمة وخططوا للوصول إليه.  

 

*   *   *

 

الهوامش:

(1) موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، مادة 257، ص 405.

(2) ساطع الحصري، ما هي القومية؟، ص 251.

(3) صحيح البخاري، فضائل القرآن، الباب الثاني والثالث.

(4) انظر كتاب “الأمة وقضية القومية” لأبي الأعلى المودودي، ترجمة د. سمير عبد الحميد إبراهيم، ط 1981م، دار         الأنصار، القاهرة، (ص، 174) وما بعدها.

(5) حاول بعض المفكرين القوميين أن يزعموا في مرحلة لاحقة أن معاداة الدين الإسلامي ليست في صلب الفكر القومي ولكنه منزع لبعض المفكرين القوميين السابقين، وأبرز من حاول أن يلعب على هذا الحبل الدكتور برهان غليون.

(6) للأمانة نجح الفكر القومي العربي في أمر واحد هو تغلبه على الأفكار القومية الأخرى مثل: القومية السورية الفينيقية والقومية المصرية الفرعونية، وما ذلك إلاّ لامتلاكه اللغة العربية التي هي أقوى أداة في مخاطبة المدعوين وجلبهم إلى حلبة الفكر القومي العربي.

(7) للحقيقة فإن الفكر القومي كان -دوماً- محدود الجمهور في أبناء الأمة، وربما كانت الفترة الوحيدة التي تجاوب الجماهير معه هي فترة حكم جمال عبد الناصر في مطلع الخمسينات. والحقيقة إن الاستجابة لم تكن للفكر القومي بمقدار ما كانت استجابة الأمة لنداءات التحرير من الاستعمار وبناء الاستقلال الاقتصادي في وجه الهجمة الغربية الشرسة على الأمة.

اترك رد